قبلة يهوذا ..حين يكذب التاريخ





















قبلة يهوذا
اوبير برولونجو
 " يا يهوذا بقبلة تسلم ابن انسان " انجيل لوقا 48-22
""قال له يسوع الحق أقول لك انك في هذه الليلة وقبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات " انجيل متى 26: 33-34
بقبلة حسب التاريخ المنقول الينا من المسيحية سلم يهوذا الاسخريوطي السيد المسيح للرومان فخلدت القبلة في التاريخ كأشهر رمز للخيانة و لٌعن يهوذا على مر السنين كخائن , أوبير برولونجو أحيا ذكرى يهوذا من جديد و أعاد محاكمته أدبيا لتصحيح الأفكار الخاطئة المتوارثة حوله و اعادة الاعتبار اليه و بالأخص تقديم سيرة مفصلة لحياته و هو أمر يتحاشى  المؤرخون  الخوض فيه و اقتصر الاهتمام بيهوذا في اتخاذ قبلته كمصدر الهام للعديد  من الفنانين و الشعراء و الكتاب غير عابئين بايجاد تفسير منطقي لحادثة تاريخية ميزت التاريخ البشري , عمد أوبير برولونجي على التأكيد ان كتابه يعتبر رواية أي من باب الخيال الأدبي و هي وسيلة تعتبر في نظري تحايلا على التاريخ فالروايات عرفت في الوعي الانساني كمصدر من مصادر التاريخ تتخذ فيها الأحدات سلطة تقريرية مهمة وعمل أوبير برولونجو لا يخرج عن هذا الاطار .
بهذه الرواية  و بطريقة كتابة أوبير برولونجو التوصفية الواقعية و التشخصية  المميزة للأحداث و الشخصيات و الأماكن و الاصوات بل احيانا حتى الروائح استطاعت الرواية أن تنقلنا  الى أرض فلسطين لنتعايش مع كل الأحداث التي عرفتها المنطقة في القرن الأول ميلادي  و التعرف عن قرب الى شخصيات في التاريخ المسيحي و اليهودي تناولتهما الديانتين بشكل سطحي كيهوذا ذاته و بارباس و مريم المجدلية و غيرهم , الرواية استطاعت ايضا و بامتياز أن تعرفنا عن قرب الى تقاليد و عادات يهودية صاحبت الاستعمار الروماني لأرض فلسطين و ما تبعه من انتهاكات و انتفاضات شعبية لشخصيات يهودية يعتبرها اليهود قومية كيهوذا المكابي الذي نجد صداه مؤثرا في انتفاضات رافقت حياة يهوذا و من الجميل ايضا في هذه الرواية المام الكاتب بكل الفرق اليهودية و اعطاؤه تقريب للقارئ عنها بشكل سلس كالصدوقيين و الفرسيين و أصحاب قمران و غيرهم و كانت هناك أيضا اشارة الى عصابة الزيلوت أو حملة السكاكين و هي أول تنظيم "ارهابي " في التاريخ مورس على الرومان و من تبعهم من اليهود برئاسة بارباس و غيره , الرواية فسيفساء عجيبة و حكاية تشفي غليل شغوف بهذه الحقبة التاريخية و في بعض حواراتها يظهر  الفن المسرحي الدراماتيكي في أعلى تجلياته ليسبر أغوار نفسيات الابطال و خصوصا بطلي هذه القبلة يهوذا و المسيح ,حوارات أظهرت بما لا يدع مجالا للشك حسب اوبير برولونجو مدى تعاسة يهوذا و ياسه من بلوغ هدفه و هو تحرير أمته ولو كان الثمن المخاطرة بأعز صديق له فيهوذا في النهاية لم يكن خائنا لشعبه بل بطلا لم يأخذ حقه حسب الكاتب و لنتعرف على هذا كله لا بأس أن نلخص الرواية في جزئين مراعين التقسيم الذي اتبعه الكاتب لسيرة يهوذا.
تبدأ الرواية بتمهيد على شاكلة سلوغن الاشهارات أو تريلر الافلام اقتبس الكاتب جزء من أحداث الرواية وضعه كافتتاحية تستطيع أن تجذب  اهتمام القارئ الى أهميتها و نجح في ذلك حيث يحكي التمهيد وصفا مرعبا لأحدى عمليات الاعدام بالصلب لثوار يهود ضد الرومان و من ضمنهم والد يهوذا و يصف بدقة مشاعر الغضب و الالم التي شعر بها اهالي الضحايا ,تمهيد أراد منه الكاتب ايضاح مدى الحقد المركون في قلب يهوذا تجاه الرومان و الذي سيؤثر على جل أحداث حياته انتهاءا بقبلته الشهيرة للمسيح.
في الجزء الاول من الرواية الذي يقع في اربعة عشر جزءا يحكي فيه الكاتب حياة يهوذا منذ طفولته الغارقة في الفقر و مشاهد القمع و الظلم طفولة بائسة غرزت في وجدانه الرغبة في الثورة و اعادة احياء دولة بني اسرائيل فينخرط في شبابه بحركة عصيان مسلحة تحت قيادة بارباس المؤمن بأن الدم هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق النصر فتحول يهوذا الى آلة تقتل بدم بارد  و لعل مشهد قتل الجابي يصف هذا التحول الجذري في شخصية يهوذا في صفحات 89 و 90" قتل انسان عمل شاق اليس كذلك " " هيا أنت فعلت ما يجب أن تفعل لا أحد يحب ذلك لكنه ضروري", و تصف الرواية أيضا التحول الجسدي ليهوذا من طفل الى رجل فيصف لقاء يهوذا بمريم المجدلية في دار الدعارة و هي المرأة الوحبدة التي صورها دافينشي في لوحته الشهيرة العشاء الأخير و المذكورة كشخصية رئيسية في رواية دان بروان و التي ستلتقي فيما بعد بالمسيح , بعد قمع الثورة من طرف الرومان يرحل يهوذا الى القدس  هذه المرة في مهمة تجسسية تجبره أن ينخرط في الحياة العامة فيكون أسرة و ينجب أطفال فتستكين حياته لفترة لكن جذوة الثورة تستيقظ مجددا بعد حرق أسرته من طرف جنود رومان فيلتحق مجددا ببراباس و حركته و يحاولون ايجاد مظهر جديد للثورة عن طريق البحث عن شخص كاريزماتي يملك جبلة الخطاب و الاقناع  باسم الله فيرحل يهوذا و هو في الأربعين من عمره بحثا عن هذا الشخص " سأمضي لأكتشف هذا الطائر المنشود " صفحة 238 فيلتقي بيوحنا المعمداني الذي سرعان ما يتعرف عن طريقه الى المسيح فيكون اللقاء الذي غير حياة الاثنين.
الجزء الثاني المكون من ثماني أجزاء يسرد لقاء يهوذا  بيسوع و انضمامه الى تلاميذه و يرافقه في رحلاته و يؤكد الكاتب في الرواية على البعد الانساني للمسيح من خلال التشكيك في معجزاته كمعجزة تحويل الماء الى خمر و شفاء الناس بالأعشاب  و التركيز على عائلته و اخوانه في تغييب واضح لمريم العذراء فلا نجد لهاحضور مؤثر في هذه الرواية  تظهر انسانية المسيح ايضا في طريقة أكله و نومه وخوفه و التشكيك أحيانا في قدراته , تحدث بين الاثنين مشاذات دائمة تجلت في قوة الحوار بينهما حول الطريق المثلى لمواجهة الرومان في حين كان يهوذا يدعو المسيح للثورة بالسلاح كان يسوع يدعو الى تطهير النفس بالدعوة الخطابية الرومانسية "ستكونون أحرارا متى عرفتم أن تحبوا " صفحة 373و مما زاد من حدة غضب يهوذا  حسب الكاتب هو ذلك التناقض الذي رآه في المسيح من كرهه للرومان و محاباة اولياءهم  "ماذا ؟؟أنت تلبي دعوة هذا الرجل الذي يجوع الناس ؟ هل فقدت رشذك؟ هذا الرجل يتعاون مع الرومان انه يسلب شعبنا لأجلهم انه خائن " صفحة 300و زهده و تبذيره "كيف تريد أن أفهمك ؟أنت قلت أعط كل شيء للفقراء و رضيت أن يسفح على قدميك عطر يساوي ثلاثمئة دينار ؟" صفحة 407 و من طهره و معاشرته لمريم المجدلية , يرحل الاثنين الى القدس و يستبشر يهوذا خيرا في ثورة غاضبة ليسوع في المعبد بعد ان يقوم بقلب طاولة للصيرفة صارخا " بيت ابي لم يصنع من أجل التجارة" صفحة 376  و يحدث أن يقبض على باراباس فيتفق أعضاء الحركة على الصاق التهمة بشخص آخر فيعتقد يهوذا أن الوسيلة الوحيدة لأجبار يسوع على الانتفاضة أن يسلمه الى الرومان مما قد يولد لديه سخط عارم يدفعه الى دعوة الجميع للثورة لكن الأمور لم تسر كما أراد يهوذا فبعد أن سلم يسوع الى الرومان باشهر قبلة في التاريخ يعتبر يسوع أن الأمر مقدر له أن يحدث كما حدث و انه مقدر له أن يصلب "ابي أرسلني لأكون ذبيحة تمحو خطاياكم " صفحة 406 يصلب يسوع و ينتحر  يهوذا محاولا مشاطرة المسيح صديقه المصير  .
هذه قصة يهوذا و المسيح حسب الكاتب اوبير برونولجو قصها بشكل جميل و عذب بأسلوب بسيط تخللته  أحيانا  الفاظ بذيئة تزعج لكن سرعان ما تأخذك الاحداث بعيدا عنها اعتمد الكاتب بدون أدنى شك على الأدبيات المسيحية و اليهودية لكنه ترك الخيال لقلمه في وصف الاحداث و الشخوص ليقدم لنا في النهاية رؤية مغايرة للتاريخ استطاعت أن تزعزع الكثير من المعتقدات  رؤية يمكن أن يكون لها اسقاطات حالية عدة فيهوذا حسب الكاتب ليس سوى شماعة علق عليها غيره آثامهم و أطماعهم في حين حلمه  انحصر في تحرير قومه من بطش الرومان و رؤية الكاتب جاءت قبل اكتشاف انجيل يهوذا بسنتين الانجيل الذي كشفت عنه مقالة لجريدة واشنطن تايم معتمدة على أعمال تصحيح المخطوطة من طرف ناشيونال جيوغرافي و الذي اعتبره المسيحيون من الابوكريفا و الهرطقة  و لهذا قصة أخرى.


Commentaires