النوارس خليفة الفاخري




ثمة مبنى على الشاطئ من ثلاثة طوابق به مجمع عيادات.

بالمجمع عدة تخصصات، غير أن عيادة اختيار فصيلة الدم، والتحاليل، والأمراض النفسية والعصبية يجمعها قسم واحد، وقاعة انتظار واحدة حيث يجلس العديد من المرضى وبعض مرافقيهم هناك.

كان بالقاعة طفل في حوالي السابعة من عمره يطوف بين المنتظرين، ويحادثهم من حين إلى آخر، وحين لمح الكرسي الشاغر بجانب الرجل الأبيض الشعر الجالس في الركن، تهالك عليه متطلعاً إلى الرجل بفضول، لكن الرجل الأبيض الشعر، الذي لا يبدو متقدماً في السن، مسح على رأس الطفل بحنان، وسأله:
- هل تذهب إلى المدرسة؟
- نعم.
- لماذا أنت هنا؟
- جئت مع أبي، إنه يشكو من معدته.
وأشار إلى حيث يجلس أبوه، ثم سأل:
- ولكن مم تشكو أنت؟
علق الرجل الأبيض الشعر ابتسامة باهتة على وجهه، وقال:
- أنا أشكو من الفقر!
ثم ضحك بخفوت، وفرقع أصابع يديه بطريقة متناغمة مما جعل الطفل مندهشاً.
وطلب من الرجل أن يعيد ذلك مرة أخرى، غير أنه هزَّ رأسه وقال:
- دعك من هذا، اسمع تغريد الطيور.
ضم شفتيه في دائرة ضيقة، وأطلق صفيراً منغماً مثل صوت الطيور تماماً.
هلل الطفل بجذل، وركز الحاضرون أبصارهم على الرجل الأبيض الشعر مبتسمين في غبطة.
طلب الطفل بإلحاح إعادة التغريد من جديد. رفع الرجل ذراعيه، وهزهما مثل جناحين، ثم أطلق الصفير المغرد بصوت أعلى من ذي قبل.
ضحك الطفل بابتهاج. ثم حاول تقليد الصوت دونما جدوى، فيما علق الحاضرون نظرهم بالرجل، شاعرين تجاهه بالعرفان لملاعبته الطفل.
قال الرجل ممسداً شعر الطفل:
- لن تستطيع تقليد تغريد الطيور المهاجرة.. هذا صعب، ولكن هل تعرف النوارس؟
- لا!!
- إنها تلك الطيور البيضاء التي تجدها دائماً على الشاطئ.
-  نعم.. نعم لقد رأيتها من قبل.
- أنت بالتأكيد تستطيع أن تقلد صوتها، اسمع: واك.. واك.. واك!!
وإذ ظل الجالسون بالقاعة يبتسمون ممتلئين بمشاعر الاحترام والود تجاه الرجل الأبيض الشعر الذي منح كل وقته لذلك الطفل، أطلق الطفل صوتاً مشابهاً تماماً لصياح النوارس.
تحمس الرجل الأبيض الشعر قائلاً:
- رائع.. رائع، قلها من جديد.
- واك.. واك.. واك!!!
- عظيم. أنت تعرف الآن كيف تصيح النوارس.
تساءل الطفل:
- ولكن لماذا تصيح هكذا؟
أغلق الرجل الأبيض الشعر عينيه قليلاً، مقطباً ما بين حاجبيه كأنه يتذكر شيئاً ما أو كأنه يحس بألم حاد، ثم قال:
- إنها تقبع هناك.. عند مرفأ الصيادين، على مقربة من سوق السمك، وهي تحلق مثل نتف سحابة بيضاء فوق الرجال الذين يقدمون خدمة تنظيف الأسماك للمشترين.
إنهم يقفون خلف موائدهم على حافة الرصيف تماماً، ويرمون بالزعانف، والقشور، وأحشاء الأسماك في البحر، فيما تهبط النوارس من عليائها، وتلتقط بعض تلك الفضلات فور رميها في البحر، موالية الصياح، واك.. واك.. واك، وهي تصيح هكذا لأنها تركت الطيران والتحليق على امتداد السواحل الذهبية، واصطياد الأسماك الفضية، وظلت تهيم فوق مرفأ الصيادين، وتعيش على النفايات!!
حكَّ الطفل رأسه متسائلاً:
- ولكن لماذا هجرت تلك الطيور السواحل؟
فكر الرجل ملياً.. وقال:
- أنت صغير الآن، ستعرف ذلك ذات يوم، دعني، فقط، أسمع منك تقليد صياحها مرة أخرى.
فرد الطفل جناحيه.. وصاح:
- واك.. واك.. واك!!
- هذا جيد، فربما سألوك في الامتحان عن هذا.. تذكر ذلك!
خرج رجل من إحدى الغرف، وطلب من الطفل أن يتبعه إلى الخارج.
وقف الطفل متأهباً لملاحقة أبيه ومغادرة المكان، ثم صافح الرجل الأبيض الشعر في مودة، وقبل أن يغيب تطلع إليه مع تلويحة وداع.
هتف الرجل الأبيض الشعر للطفل:
- تذكر ذلك!!
بعد لحظات، جاء رجل بدين وجلس في كرسي الطفل.
نظر إليه الرجل الأبيض الشعر متفحصاً حتى أن الرجل البدين بدا متضايقاً، غير أن الرجل الأبيض الشعر لم يأبه لذلك، بل لكزه بمرفقه برفق، وسأله:
- هل تعرف أن تقلد صياح النوارس؟
فزع الرجل البدين ببصره باحثاً في القاعة عن مقعد آخر، لكن الرجل الأبيض الشعر فرد ذراعيه كجناحين، وأضاف:
- هذا سهل للغاية، اسمع: واك.. واك.. واك!









خليفة الفاخري (1942-2001) كاتب وأديب ليبي من مدينة بنغازي. نُشرت مقالاته وقصصه في عدة صحف ومجلات. جُمعت غالبية أعماله في ثلاثة كتب وهي: غربة النهر، بيع الريح للمراكب، موسم الحكايات (أصدرت وزارة الثقافة الليبية طبعات جديدة لكتبه الثلاثة في السنين الأخيرة). كما نُشرت بعض كتاباته في كتاب بعنوان "مواسم من الإبداع الجميل" أصدره اتحاد الكتاب بعد وفاته، وقام صديقه محمد عقيلة العمامي بإصدار سيرة أدبية له بعنوان "منابت الريح" (وهي التي نُشرت فيها لأول مرة قصة النوارس)، وأصدر العمامي أيضاً كتاب "قطعان الكلمات المضيئة" الذي احتوى على مراسلات متبادلة بين خليفة الفاخري وصديقه الكاتب والمفكر الليبي الشهير الصادق النيهوم.



ستونر رجل رد الحياة بصبر جميل




تحذير صحي: مراجعات الكتب قد تؤدي إلى حرق الروايات والقصص والإصابة بأمراض إفساد الحبكة وتشويش تفكير القارئ في مضمون الكتاب. 9 من بين كل 10 قراء ينصحون بقراءة الكتاب قبل قراءة المراجعة.

قرأت ستونر من فترة ووضعت الكتاب بعدها في مكانه بالرف المخصص لأدب اللغة الإنجليزية، حاولت أن أكتب عن ستونر مراراً لكني عجزت أن أترجم فهمي لهذه الشخصية فاكتفيت ببضع تغريدات، كما مررت بكل ما يكتبه الأصدقاء والقراء هنا وهناك بين محب لها وكاره للرواية، أتمتم ببعض الكلمات المرحبة بما كتبه المعجبون وأعقد حاجبي استغراباً ممن لم يجد في ستونر ما يستحق الذكر أو التنويه، وبقي الحديث عن ستونر بزاوية ما في النفس ينتظر متى يخرج. شجعت الناس أن يقرأوا لجون وليامز وكنت أنتظر أن يعودوا إلي منبهرين بتلك الشخصية أو متسائلين عن ماذا فعل ستونر بهم فوجدت أن القليل تفاعل مع ستونر والبعض اعتبر الحديث عنه مبالغة أدبية عاطفية لا محل لها ضمن سياق الأدب المنتشر الآن، وهناك الكثير مثلي انبهروا دهشة بما تحمله هذه الشخصية من أفاق نفسية معينة، ومن حسن حظي قرأها صديق أثق في ذائقته رغم اختلافنا في بعض الأمور ذلك الاختلاف الذي يمنحنا فهماً موازياً لفهمنا قرأ الرواية كما قرأتها وفهم ستونر كما فهمته أو ربما أعمق بقليل مما فهمته وهذا كان من حسن حظي كذلك فكان نقاشنا يمتد لأسطر طويلة نحاول من خلالها تشريح شخصية ستونر وفهمها أو بالأحرى فهم ذواتنا من خلال ستونر لأنه غالباً ينتهي الحديث بنقطة ما من حيواتنا وكنا قبلها ناقشنا بعضاً من رؤية تولستوي ودستويفسكي للحياة وقرأنا عملاً لإسحاق أسيموف المعنون السؤال الأخير فتراكمت تلك النقاشات لتؤدي لطريق مسدود غالبا وأسئلة عنقودية عن ماذا علينا أن نقوم به لننقذ ما يمكن إنقاذه فيتسرب السؤال إلى سؤال عدمي بالصدفة، لكن لما علينا أن نقوم بأمر ما؟ لماذا لا نكتفي فقط باللافعل، ربما لو توقفنا قليلا للحظة لعادت الأمور لمقامها الأول، لكن عن أي مقام أول نتحدث هنا؟ كثرت الأسئلة دون جواب شاف لها فيخرج لنا ستونر من مكان ما ليشاركنا جانباً من هذا النقاش، لم يأت متطفلاً فليس ستونر من يفعل ذلك بالتأكيد بل هادئاً صامتاً كعادته مخلصاً لبورتريه العبث أوالعدمية وهما زاويتا رؤية صاحبتا نقاشنا حول رؤيتنا لشخصية ستونر، فهل كان عدمياً أم عبثياً، كلما تعمقنا في أحداث الرواية أكثر وناقشنا جزئياتها وتعامل ستونر مع الأحداث وباقي الشخصيات تقافز مؤشر العدمية والعبث بتوازن معقول.
لما أحدثت شخصية ستونر كل هذا الأثر في النفس، فلو أخذنا المفهوم الأرسطي للبطل المأساوي نجده يبتعد عنه فهو خارج ذلك النسق الذي يتعاظم فيه خطأ البطل ليقع في تراكم خطأه فهو ليس خيراً بالضرورة وهو ليس شريراً أيضاً بمعنى أنه ليس بطلاً ننتظره أن يواجه بحزم معضلاته أو يبرز فلسفة ما أو يقدم رؤية نتبناها أو ننكرها، هو فقط يعيش حياة عادية قد تكون حياة أياً منا والشخصيات التي التقاها هي شخصيات لها شبه بشخصيات صادفناها، قراءة المشهد الستونري هذا يتركنا نتأرجح بين محاول التطهير وخلاصنا نحن كمتلقين وبين محاكمة ذواتنا بشدة كما رغب في ذلك بريخت منتقداً أرسطو، ربما لم نحدد لغاية اللحظة كيف نتعامل مع هذا النص ماذا علينا أن نقوم به تجاه ستونر، نحن بشكل ما نهوي في شخصيته أكثر من اللازم أو المفترض في علاقة قارئ بشخصية روائية مع أن الأمر ليس نادراً فلقد سقطت في بئر الطفلة الخبيثة في رواية شيطنات الطفلة الخبيثة ليوسا ولم أخرج بعد، ستونر هو رمال متحركة بالتأكيد يجرنا بعيداً عن محاولة اختصاره في مفهوم ما من تلك المفاهيم التي ظهرت بين القرنين 19 و20 لكننا مع ذلك نثور ونلعن ستونر في كل ما قرأنا عن حياته لكننا سرعان ما نكتشف أن الشيء البشع والمربك أن ستونر شخصية روائية حتى لو كان أي تشابه بين الكاتب وشخصيته وارد تبقى شخصية روائية في النهاية والحقيقة هي نحن فهل نحن نلعن أنفسنا كلما تجلى ستونر في اللافعل أكثر؟

هكذا كان ستونر محلاً لنقاش دام لأيام أكتب منه ما أتذكره وأبدأ بالتساؤل الذي طرحت على هذا الصديق وهو تساؤل بلا شك راود كل من اندهش برواية ستونر، شاكرة رفيقي في النقاش وأخبره أنه كان لزاماً علي أن أسجل هذا النقاش لتحتفظ به ذاكرتي المعطوبة..

- هل يعقل أن رواية كهذه لم تنجح وقت نشرها؟
-  مررت على بعض الكتب المنشورة في نفس السنة وأهم عناوين الستينات أغلبها يتحدث عن الوجودية والخيال العلمي والحرب العالمية الثانية التي بدت في رواية ستونر كحدث مرافق والحقوق المدنية، أستطيع أن أرى لماذا هذه الرواية كانت مغمورة ضمن كل هذا، الإنسان كان في مرحلة إثبات وجوده كان من المبكر أن يخبره أحد ما بأن هذا الوجود عبث.
- أو عدم.. لا تنس أننا لم نصل بعد لمنطقة آمنة بين العبث والعدم لكن يبقى تعبير الخدر الذي ذكرته أبلغ وصف لما يحدث داخل نفسية ستونر.
- الخدر فعلاً، أتعلمين، المشكلة أننا نشعر أننا نحدق في مرآة وأحياناً في كرة بلورية للتنبوء بالمستقبل.. أشعر بأنني لم أقرأ يوماً أي شيء يصور الحياة بمثل هذه الواقعية ربما لأن هذه الرواية صورت حياتنا نحن.. كم هي مؤلمة الحقيقة في كتاب غوركي عن تولستوي لا أذكر بالضبط لكن هنالك قصة تقول أن تولستوي بكى بعد قراءة مشهد مؤلم في قصة لغوركي وقال له لا تكتب هذه الأشياء بعد الآن ثم غير رأيه وقال له اكتب.. أظنها الحقيقة.. لا أعلم..
تقصد كتاب صور أدبية؟
نعم الكتاب موجود ضمن تلك الترجمة حسبما أعلم، مشكلة ستونر كلها أن القارئ سيشعر بذاته في الرواية أكثر من اللازم، ليست رواية عادية، ليست شخصيات خيالية.. هذه هي المشكلة.. سيقرأ ويقرأ.. لكن  نادراً ما يقرأ ويبقى بعيداً عن الصفحات كما هي الحالة هنا.
هي شخصيات خيالية وهذا هو القفل الذي نرفض أن نفتحه مع أن المفتاح موجود بالقرب.

بعد يوم..

- كاثرين ذهبت يا إيمان وتركت ستونر، تركت ستونر؟ أم هو تخلى عنها؟ أشعر أنه هو بدأ، وهي رحلت.
- المسألة كانت أوضح مما يحتمله القارئ، ستونر ليس بطلاً كما عهده القارئ. تعرف، أقصد ذلك النوع من الأبطال الذي يجعلك تخمن ماذا سيقوم به وكيف سيتصرف.
- ليس بطلاً؟ لماذا؟ لأنه استسلم.
ليس بطلا لأننا نحتاج لبطل ينفجر يغضب يبدي نوعاً من التأثر الذي يتراكم للذروة ننتظره أن يعبر أن ينتفض أن يقتل أن ينتحر.. هكذا اعتدنا الولوج للروايات، ستونر لم يقم بأي شيء مما ذكرته دائما أشعر بأنه يكتفي بهز كتفيه ببساطة ويقول وماذا بعد، هل تذكر حين تحدثنا عن فرصتنا للنجاة بأن لا نقوم بشيء على الإطلاق ربما ستونر مثال على أننا أخطأنا وطريقة تفكيرنا ساعتها لم تكن سليمة هو مثال لما ذكرناه والحل لم يرضيني كما تخيلت.
- هو حقيقي أكثر من اللازم.
- عدمي بامتياز.
طوال قراءتي و أنا أفكر في قولك أنه عدمي، لكن يبقى بداخلي صراع بين العدمية والعبثية.. أظن الأمر يحتاج مقارنة مع ميرسول غريب كامو.
صحيح فكلاهما لم يهتما لكن أثر الحياة لحقهما.
قطيعته مع كاثرين وكيف أنهيا الأمر بنوع من التراضي هذا عبث وليس عدمية، قبول للواقع، لكن ذلك الخدر الذي يعتمل في داخله تجاه كل شيء يعيده للعدمية من جديد.
العدمية بالنسبة لستونر في نظري هي توقعه للأمور قبل أن تحدث فيتعامل معها وكأنها جاءت من العدم مع أن كل الظروف أمامه تؤسس لها وكأن هناك آلة بداخله تفرم تلك الأحداث وتخرجها وكأنها لاشيء، لاشيء أثر فيه حقيقة، لا فعل حتى يكون هناك ردة فعل.
ممتاز جداً، عبارتك هذه تسمح لي أن أوضح مشكلتي في تصنيفه لا شيء أثر فيه تعني عدمي ولا شيء ترك أثراً دائماً تعني عبثي. هذا فهمي للفرق ولهذا مازلت غير قادر أن أحدد هل ستونر عبثي لأنه يحس لكن يستسلم؟ أم عدمي لأنه مثلما تقولين من البداية مفروض أنه يعلم لكنه دائماً يتفاجأ ويموت شيء في داخله ويصيبه خدر وينتهي الموضوع.
الخدر، أليست موتة أولى، انتحار مقنع..
الأمر يعود بي من جديد للنزاع بين العدمية والعبثية. لو كان عدمياً فالمفروض احتمال الانتحار يكون ملحاً بشدة، لكن في نفس الوقت كان من المحتمل جداً أن يترك كل شيء ويذهب مع كاثرين. العبثية ترفض معنى شامل للحياة وتتقبل الواقع لكن ليس بهذه الدرجة من تدمير الذات ما الذي بقى ستونر لأجله؟ لا شيء. ربما هي عدمية.. ربما ستونر انتحر منذ زمن بعيد.. ربما.. لا أعلم.. لا أعلم من الذي أصدر بحقه حكم الإعدام هل كان دايفد ماسترز المتشائم الذي قال له أنت سوف تهزمك الحياة وسوف تستسلم لها؟ أم كان سلون أستاذه القديم الذي نوعاً ما كان السبب في أول فعل لامبالاة يقوم به ستونر حين قرر عدم الذهاب للحرب. لا أعلم..

بعد يومين أو ثلاثة حين أكمل الصديق الرواية..

- عظم الله أجرك في ستونر اليوم أقيم عليه عزاء بدون رثاء. لا أعرف.. لا أشعر بحزن حقيقي على حياته المهدورة ولا فرح بشغفه ولا حتى غضب عليه لأنه ترك العالم يأخذ منه كل شيء أحبه. تعلمين، لا أظن أن ستونر كان عبثياً ولا عدمياً أظن أنه فقط شخص استسلم وسمح للحياة بأن تأخذ منه كل شيء. ليس عدمياً وليس عبثياً هنالك شيء آخر.. أظن أنه فقط استسلم..
- هل يكون ستونر قد خدعنا..
- لا أعلم.. أظن أن المفتاح لسر ستونر قد يكمن في بداية الرواية حين يرى مستقبله في الجامعة. لقد أحب كثيراً وكل حب كان يأخذ العالم منه أمرا، حب زوجته حب ابنته حب القراءة والتأليف حب كاثرين حب التدريس وهو الحب الوحيد الذي فعل شيئاً لاستعادته.
- منذ بداية الرواية كانت الجامعة محور حياة ستونر وكل شيء يدور حولها الثابت الوحيد في حياته.
- نعم لقد تجاهلنا الملاذ الآمن أتذكر الآن مشهداً بعد إحدى المآسي التي حلت به حين خرج من الجامعة والكاتب يصف شعور ستونر حين خرج للعالم بأنه شعر أنه وسط سجن. العالم هو السجن، الجامعة هي المفر والملاذ الآمن.
- هؤلاء يصنعون لأنفسهم ملاذاً وهو ما يمنعهم من الانتحار نفس الشيء مع سيوران الذي كان ملاذه الكتابة.
- بالضبط الجامعة ملاذهم جميعاً هو ورفاقه، دايفد ماسترز كان الوحيد الذي غادر وكان موته مبكراً جداً في الرواية حين ذهب للحرب كان تحذيراً من الكاتب أو من العالم بأن هذا مصير من يغادر منهم ملاذ الجامعة..
-  بالحديث عن الجامعة والحرب أين الكاتب جون ويليامز من كل هذا لا نستطيع أن ننكر أوجه الشبه بينه وبين شخصيته ستونر؟
-  أظن أنه لا مفر من التخمين بأنه ربما كان يحاول إقناع نفسه بجدوى حياته هو ولو كانت حياته أكثر امتلاءً من حياة ستونر وربما هذا في حد ذاته سبب فقر حياة ستونر لكي لا ترتقي لمقارنتها بحياة ويليامز. من جهة أخرى حاول ويليامز أن ينفي عن ستونر النظرة البائسة التي ينظر بها القارئ لشخصيته فهو يستنكر سلب صفة البطولة عن ستونر بل اعتبره بطلاً حقيقياً وأنه عاش حياة جيدة دعيني أرسل لك دفاعه الملح هذا... ها هو، هذا الاقتباس أورده جون ماكغيرن في مقدمته للرواية وهو مأخوذ من مقابلة نادرة أجريت مع ويليامز في أواخر حياته. يقول ويليامز عن ستونر:
(أنا أظن أنه بطل حقيقي. الكثير من الناس الذين قرأوا الرواية يظنون أن ستونر عاش حياةً حزينة وسيئة جداً. أنا أظن أنه عاش حياةً جيدةً جداً. كان يفعل ما يرغب في فعله، كانت لديه بعض المشاعر تجاه ما يفعله، كان لديه إحساس بأهمية العمل الذي كان يقوم به. كان شاهداً على قيم مهمة... الشيء المهم في الرواية، بالنسبة لي، هو إحساس ستونر بالعمل. التعليم بالنسبة له هو عمل – عمل بالعمل الجيد والشريف للكلمة. عمله منحه نوعاً خاصاً من الهوية وصيره إلى ما كان عليه... الأمر الأساسي هو حب الشيء. إذا أحببت شيئاً فسوف تفهمه. وإذا فهمته فسوف تتعلم كثيراً. عدم وجود ذلك الحب هو تعريف المُعلِّم السيء... أنت لا تعرف أبداً كل نتائج ما تقوم به. أنا أظن أن الأمر يتلخص فيما كنت أحاول الوصول إليه في ستونر. يجب أن تحافظ على إيمانك. الشيء المهم هو أن تحافظ على استمرار التقاليد، لأن التقاليد هي الحضارة.)
يبدو أنه كان ينفي تهمة ما عن نفسه وعن حياته كما ذكرت يبدو الأمر منطقياً الآن.. وإديث التي تبدو خارجة من إحدى روايات تولستوي أو دستويفسكي تؤرق فكري، ما الشيء الذي كانت تفتقر إليه نساء تلك المرحلة ويجعلهن يغرقن في دور الضحية، نفس التيمة نجدها في أكثر من فيلم وعمل أدبي في تلك المرحلة.. يذكرني ستونر بمسرحية ألبي من يخاف فرجينيا وولف فالزوجين علاقتهما متوترة والزوج ينتمي للجامعة أيضاً، المسرحية كانت انتقاداً للمجتمع ساعتها والنظام الجامعي يبدو أنهم جميعا متورطون في وباء ما..
إديث.. إديث هي من الألغاز المحورية. أظن أنها ربما لم تستطع الهرب من دور الضحية فلم يكن أمامها خيار سوى أن تتقمص الدور وتحاول الانتقام أيضاً. تلومه على تدمير حياتها فتجعل حياته هو أيضاً جحيماً، علي وعلى أعدائي. وهما الاثنان قبل أن يكونا ضحايا بعضهما كانا ضحايا المجتمع، ولكن بينما وفر المجتمع لستونر متنفساً من الزواج الذي انقلب إلى حرب فإن المجتمع لم يوفر نفس الفرص لإديث طاقاتها من جديد توجهت نحو الداخل، نحو الزواج.
- عليك أن تشاهد إلزابيث تايلور وهي تؤدي دور مارتا في فيلم من يخاف فرجينيا وولف فهيستريا المرأتين متشابهة..
- سأحاول قريباً إلزابيث تايلور في دور امرأة هيستيرية أمر بلا شك يستحق المشاهدة.
- لا تنس أنك تتحدث مع نسوية..
- بالعودة لمقارنتك بين العملين... ويليامز كان له نقد للجامعة وانتقد دراسة الأدب تحديداً. في مقدمته للرواية يقتبس جون ماكغيرن المزيد من تلك المقابلة النادرة مع ويليامز ويذكر نقده للجامعة وموقفه من التعامل مع الأدب:
(اشتكى من التحول بعيداً عن الدراسة النقية داخل الجامعات، الأمر الذي لم يكن بالإمكان توقع نتائجه، والانتقال إلى أسلوب توتاليتاري محض لحل المشاكل في سبيل القيام بالأعمال بشكل أكثر فعالية، في الآداب والعلوم أيضاً، والتي يمكن إسنادها وقياسها كلها. ثم، وبشكل أخص، اشتكى ويليامز من التغيرات في تعليم الأدب ومن التعامل مع النص "وكأن الرواية أو القصيدة هي شيء يجب دراسته أو فهمه عوضاً عن اختباره". وولي اقترح حينها مداعباً "أي، بعبارات أخرى، أن يتم تضخيمها." "نعم. وكأنها أحجية من نوعٍ ما." "والأدب يُكتب لكي يكون ممتعاً؟" اقترح وولي مرةً أخرى. "بالتأكيد. يا إلهي، أن تقرأ بدون بهجة أمرٌ غبي".)
أشم هنا رائحة تودوروف وهو يدافع عن الأدب وينتقد النظام الدراسي الفرنسي الذي اعتبره خطراً على الأدب. طبعاً تودوروف وكتابه أتى بعد لقاء وليامز هذا.
هذا يحتاج نقاشاً آخر حتى لا نضيع.
بالفعل.. متى سنناقش تودوروف إذن؟
- متى ابتعد ظل ستونر قليلاً.
- لعلك تقصد ظل ويليامز...



* رواية ستونر من اصدار دار أثر وترجمة إيمان حرز الله
تقع في 302 صفحة .



الساعة الخامسة والعشرون

تنبيه : تتضمن المراجعة حرقا لأحداث الرواية ؛ أرجو أن تقرأ الرواية قبل قراءة المراجعة.

الساعة الخامسة و العشرون
قسطنطين فرجل جيورجيو
ترجمة : فائز كم نقش
الناشر: دار ميسكلياني


"كل كتاب من كتبي هو صراع من أجل الحقيقة تلك الحقيقة العارية التي تحدث الضجة"
جيورجيو



يقول بول ريكور أن هوية القصة هي التي تكشف هوية الشخصية وغالبا القصة تحدد ببعديها الزماني والمكاني الذي يمنح شخصياتها تلك الهوية التي قصدها ربما ريكور لكن الأمر في رواية فرجيل لا يمكن ان يحدد في هوية معينة او حتى في مكان وزمان معينين لأن الفكرة أكبر حجما وأكثر كونية, عمل ك"الخامسة والعشرون" يبقى عملا ممتدا قابلا لجميع الاسقاطات الممكنة على كل العقود التي تلت الحربين العالميتين الاولى والثانية وهذا بالضبط ما رغب فيه فيرجيل جورجيو هي محاولة تنبيه تنبؤية بدأت فصولها ساعة كتابة الرواية او قبلها بقليل واستمرت, المرعب في الأمر ان هذا العمل هو أشد قسوة و مرارة من عمل نشر في نفس التوقيت  يشبهه لحد كبير مع إختلاف القالب وهو عمل جورج أرويل "1984"حيث يبقى عمل أرويل رغم سوداويته و اليوتوبيا المضادة التي يعكسها يبقى مجرد تخيل ممكن حدوثه في حين أن الساعة الخامسة والعشرون حقيقة راسخة ودامغة مهما حاولنا أن نخفف منها.
ولد قسطنطين فرجيل جيورجيو سنة 1916 بمولدافيا شمال رومانيا من أسرة أغلب رجالها رهبان ارثدوكس وهو المصير الذي كان مقررا له لكن بسبب ظروف الأسرة المالية تعذر عليه ذلك , من سنة 1928 إلى سنة 1936 درس بالمدرسة العسكرية واثناء هذه الفترة كتب أولى أشعاره ونشر بعضها في الصحف,انتقل بعدها سنة 1939 إلى بوخارست ليشتغل ويدرس الفلسفة وسنة 1939 تزوج بأكتارينا بوربيا وحصل سنة 1940 على الجائزة الملكية للشعرعن ديوان خطوط فوق الثلج,اشتغل لفترة قصيرة بوزارة الخارجية لينتقل سنة 1943 الى زغرب كملحق ثقافي بالسفارة الرومانية ,سنة 1944 يختار المنفى بعد دخول القوات السوفياتية لرومانيا فيسجن من طرف الأمريكيين هو وزوجته باعتباره رومانيا حليفا للنازية وبعد عدة محاولات للهجرة استطاع هو وزوجته عبور الحدود لفرنسا سنة 1945 و بقي فيها لغاية مماته و فضل أن يدفن فيها,هذه سيرة مقتضبة للكاتب لابد منها للتعرف أكثر على عمله وقبل أن أتطرق للعمل ذاته لابأس أن أذكر بالحفاوة التي استقبل بها الكتاب  بفرنسا و التي يعود لها الفضل بشكل ما في نشره.
حين عبر جيورجيو الحدود لفرنسا كان يحمل معه مخطوطة "الساعة الخامسة والعشرون",التقى بباريس بلاجئة رومانية تدعى مونيكا لوفينسكو التي حسب احدى رسائلها اليه تبقى من أوائل القراء لهذا المخطوط ,وجدت مونيكا أن المخطوط بهذا العدد الكبيرمن الصفحات التي بلغت 800 صفحة من الصعب نشره  فنصحته بإعادة صياغته ,ويقال أنها لم تتقاضى أتعاب ترجمتها هذه ونعتت فرجيل بنكران الجميل بل ورفعت عليه دعوى قضائية لاستخلاص مستحقاتها, سمع بالمخطوط الفيلسوف الفرنسي غابريل مارسيل المدير الأدبي لدار بلون فطالب بنشره واضعا له مقدمة أثارت إهتمام القارئ الفرنسي,نشرت الرواية سنة 1949 وسرعان ما ترجمت لعدة لغات باستثناء تلك المنتمية للمعسكر الشرقي.
الوسط الثقافي آنذاك كان على استعداد للانفتاح أكثر باتجاه كتابات الشرق أوروبية خصوصا أن باريس عرفت ساعتها هجرة قوية من مثقفي رومانيا لدرجة أن سيوران كتب في إحدى رسائله أن باريس اصبحت مدينة رومانية, سنة 1949 بالأخص عرفت نشر ثلاث كتب على درجة كبيرة من الأهمية لثلاث كتاب رومانيين ,فبالإضافة لل"ساعة الخامسة والعشرون" نشر أول كتاب لسيوران "رسالة في التحلل" من دار غاليمار وكتاب "أسطورة العود الأبدي" لميرتشيا إلياد والثلاث كتب أحدثت صدى لدى النخبة الثقافية بباريس , بالعودة لرواية فرجيل أعتبرها رايموند أرون صاحب كتاب أفيون المثقفين من أكثر الأعمال التي ضمت شهادة رائعة وحقيقية عن العالم المعاصر فهذا العمل  حسب قوله هزه بعمق وأدهشه لحد الإرهاق ,من جهته أندريه روسو في مراجعته للرواية بصحيفة لوفيغارو قال عنها أنها رواية تخص أوروبا ككل معسكرها الشرقي والغربي هي رواية تتحدث عن أسوأ كارثة عرفتها البشرية منذ  القرن الأول للميلاد,بينما اعتبر أندريه فونتين المؤرخ والصحفي بجريدة لوموند أن فرجيل تجاوز كل الكتاب الذين تناولوا موضوع معسكرات الاعتقال فاعتبر العالم ذاته معتقلا أوسع وهي نظرة تتماهى مع النظرة الكافكاوية التي تعتبر البطل معتقلا مفترضا,و يبقى محظوظا متى لم يقبض عليه.
في حين تلقى الوسط الباريسي هذه الرواية بحفاوة , تلقاها الرومانيون بنوع من التحفظ إلى أن قرأت بشكل مغاير ابتداءا من سنة 1989 لتنشر برومانيا سنة 1991 أي قبل وفاة جيورجيو بقليل, في حين تلقاها اليهود بنوع من التذمر, واعتبره بعضهم معاديا للسامية لاسباب كثيرة منها اعتبار موريتز ضحية عوقب بعقاب خاص باليهود وهذا أعطى انطباعا أن اليهود يستحقون فعلا ما حدث لهم وأن الخطأ الوحيد في الموضوع أن يُِؤخذ موريتز على أنه يهوديا و هو ليس كذلك ,هذا بالإضافة لكتابات سابقة لجيورجيو اعتبرت معادية للسامية مما اضطر جيورجيو للاختفاء بعيدا في الأرجنتين هربا من هذه الحملة الإعلامية التي كلفته خسارة صديقه مارسيل غابريل.
 كيف يمكن إذن أن نقرأ رواية بهذا الحجم, وتحت أي تصنيف يمكن أن نضعها قد يختلف الأمر من شخص لآخر حسب خلفية كل قارئ لكن كبداية فهي شهادة حيةعلى أدق وأعنف فترة تاريخية مرت بها أوروبا,شهادة حية من شخص عاين و اكتوى بنارها ذاكرة حية بالمقام الأول أو يوميات كتبت بشكل منفتح وغير متوقع فهي رواية تنتمي لأدب السجون و رواية سياسية و رواية قد ندرجها أيضا في أدب الحرب و ربما تكون رواية ينطبق عليها شرط التخيل التاريخي كما جاء به الدكتور عبد الله إبراهيم مع تحفظ شرط الزمن في هذه الحالة أو ربما بعيدا عن كل هذا ندرجها ضمن أدب السيرة الذاتية خصوصا التخييل الذاتي أو الرواية الذاتية كما وضعها سيرجي دوبروفسكي حين نشر روايته الإبن سنة 1977 و هذا ما أميل إليه لأسباب سآتي على ذكرها وأيا كان  الأمر تبقى رواية الخامسة والعشرون عملا ملحميا لن يترك قارئه محايدا.
في إحدى حواراته يؤكد فرجيل جيورجيو أن " كل صفحة من كتابي كتبت بالدم,دمي,دم أصدقائي,دم أولئك الذين عانوا والذين ما زالوا يعانون في المعتقلات,أجل كل ما كتبه تريان عن المجتمع التقني,حول تحويل الإنسان إلى آلة أفكر فيه فعلا",من إجابة جيورجيو هذه ندرك أن عمله ليس سوى نوع من السيرة الذاتية فالكاتب حاضر في ذات الكاتب تريان كوروغا الشخصية المحورية الثانية في العمل و حسب سيرته سنلاحظ مدى التقاطع الواضح بين السيرة المتخيلة و السيرة الحقيقية,هي محاولة من الكاتب أن يجعل بينه وبين الكتابة و الحدث مسافة تمكنه من القليل من الحيادية باعتبار ما كتبه نوع من التوثيق التاريخي وهو الأمر الذي عرف جدلا واسعا خصوصا من طرف اليهود,من بين هذه التقاطعات ما ذكره الكاتب في إحدى اللقاءات بباريس التي عرفت بالإضافة لحضوره هو و زوجته حضور مارسيل غابريل حيث ذُكر باللقاء أن جيورجيو حاول الانتحار بقطع شريانه بعد أن فشل في إضرابه عن الطعام حين كان معتقلا وهي المحاولة التي رمت به في مستشفى المجانين كما وجدت الباحثة ميرال دراجاو أثناء بحثها عن وثائق الحالة المدنية المرتبطة بجيورجيو ان كنية كوروغا كانت تحملها جدته قبل زواجها. بالإضافة لتقاطعات أخرى متشابهة كالأب  الراهب و كالمهنة التي اشتغلها كلاهما , و بعيدا عن السيرة و بالنظر
لطريقة السرد المركزة على حياتين و شخصيتين رئيسيتين هما الفلاح موريتز و الكاتب الشاعر تريان كوروغا يظهر أن جيورجيو تماهى بين الشخصيتين
ليوحد الذاكرة بالإتجاه الذي يريده و يرغب بشرحه باندفاع  هذا بالإضافة
لرغبته في جعل الفكرة الرئيسية كونية متعددة الطبقات ومتعددة اللغات هذا التماهي بين الشخصيتين يظهر منذ بداية الأحداث ليتصاعد حدته مع ضغطها و يبدو أن جيورجيو أراد من موريتز أن يمثل الحدث في حين يحلله ويناقشه تريان و هذا ما ظهر بشكل أوضح في العرائض التي كتبها, يمكنني
باختصار القول وعلى إعتبار العمل رواية ذاتية أن موريتز يمثل الذات المتخيلة و كوروغا يمثل "الأنا"بمعنى الكاتب حاضر لكنه يحتاج لمن يستفز هذا الحضور و يكشفه و ليس موريتز ( الفلاح) فقط من يقوم بهذا  بل نجد بجنبه شخصيتا الأب ( الكاهن) و المحقق دميان ( القانون) , في النهاية قسطنطين فرجيل جيوجيو من كتب رواية الخامسة والعشرون المستوحاة من شخصيات حقيقية , و يبقى السؤال لماذا اختار جيورجيو نهاية كتلك لكوروغا و هو الأمر الذي لم يحصل حقيقة له و لما فضل الابقاء على الفلاح و اغتيال الشخصية التي تمثله ؟ ربما يتعلق الأمر باستسلام العقل " لعله ينبغي أن تتصرف على نحو جديد أعتقد أن بالكتابة لن تصل إلى أية نتيجة" (صفحة 343) أو ربما تعلق الأمربمحاولة تأسيس جديدة في المنفى مع الإبقاء على الارض,الأصل ( الفلاح موريتز) , محاولة تأسيس هدفها الرئيسي خلق عقل بشري قادر على وقف زحف العبد التقني و مواجهة النهاية أو ما بعد النهاية الساعة الخامسة و العشرون فماهي الساعة الخامسة و العشرون ؟ومتى تأتي و كيف نواجهها؟.
الرواية هي صرخة الإنسان الحداثي أو ما تبقى منه في مواجهة تلك الحداثة ذاتها التي بدأت تفرض نسقا معينا يزيد من توغل المادة و تقهقر الروح,إختفاء الإنسان و تمدد الآلة والبيروقراطية,الرواية هي كشف خيانة الإنسان لذاته نوع  من الفاوست الآلي الذي سمح بظهور البروليتاريا التقنية القابلة لإحداث الثورة و لفرض قوانينها و إجبار البشرية على التبعية وهي ثورة بطيئة ستمسخ الإنسان ليصبح ببغاء تسلية للعبد التقني  فيصل الوضع إلى فرض نوع من الألوهية على الآلة ليبقى مجرد المقارنة بينها وبين الإنسان محض تجديف  "إنها إهانة نوجهها للآلة إذا قارناك بها,بل إنه كفر,الآلات كاملة"  ( صفحة  205) , هذه الثورة ستشتت الهوية وتصنع هوية تقررها التقنية وأدراج المكاتب و سيصبح معها الإنسان أرنبا أبيضا ( صفحة 156) أو ينتمي للفصيلة البطولية التي توضع تحت المجهر  ( صفحة 229 ), و تبقى "الساعة الخامسة و العشرون" هي ساعة المواجهة حين يستفيق الإنسان على خرابه لكن بعد فوات الأوان هي الساعة التي لن تفيد فيها أي محاولة للإنقاذ هي الثقب الأسود الذي سيغيب الإنسان لتطغى الآلة ( صفحة 70), و هي الساعة التي ستشترى فيها الحضارات كسلع ( صفحة 404) و الساعة التي يبقى الأموات فيها أحياء مجازيا ( صفحة 444-445) و هي الساعة التي ستنتهي بصلب الإنسان على صخرة التقنية ( صفحة 450), الساعة التي تغلب فيها التصنيفات الموجهة و يسجن و يقتل فيها الإنسان على الهوية , موريتز الفلاح الروماني الذي رغب في الهجرة سيجد نفسه تائها في خليط من الهويات لينتهي به الأمر متطوعا لدى الأمريكيين فيعود في الأخير لحلمه الأول منهكا مجردا من الرغبة والحلم, ببغاء يرغب في التطهر من الذنب ( الصفحة 358) يؤكد إلتزامه بالطاعة ويبتسم ببلاهة للآلة , لم تستطع الأنظمة أن تنقذ الإنسان فجورجيو انتقد بشدة الأنظمة الشمولية الروسية والنازية و كان لطيفا مع النظام الأمريكي متجاهلا الآلة التي سقطت بهيروشيما فأنتقد باحتشام الديمقراطية , و يبقى الخلاص حسب جيورجيو في الفكر و بشكل أكبر في الدين القائم على التسامح, نوع من "أدر خدك الأيسر" لتنتهي موجة العنف و نوقف فكرة التصنيفات المربكة و الخالية من جوهر حقيقي لصالح الإنسان , قد تكون الرواية تمثيلا لعنف الحربين العالميتين لكنها تنسحب كفكرة بشكل مفزع على عصرنا الحالي الذي يقتل فيه الفرد وتزداد الآلة تجبرا, هو الجذام الذي أكل أنف الحضارة الإنسانية و لم يكن كل هذا ليحدث لو " أن المطر هطل أمس.." صفحة 54.



مقبرة براغ أمبيرتو إيكو



حين نقرأ لأمبرتكو إيكو فنحن على موعد مع الدهشة,الأمر غير مرتبط فقط  بالموضوع بل باسلوب السرد  وكيفية السرد إختيار الشكل المناسب للرواة و تكثيف العلاقة بينهم إيكو جدد بشكل لافت طريقتههذه في إسم الوردة و جددها أيضا في مقبرة براغ و لا استبعد أن هذا التجديد سنجده مع باقي رواياته التيتنتظرني على الرف,في مقبرة براغ هناك لعبة ثلاثية أن لم أقل رباعية لو أشركنا الكاتب كفاعل في السرد فأول صفحة يظهر الفاعل الأول في السرد يلتقي بعدها بالفاعل الثاني و بعدها بالفاعل الثالث و  كأن الأمر اشبه برباعية الجري في الأولمبياد كل راو يمنح الآخر الفرصة لاظهار موهبته فيتفاعل السرد بتفاعل الرواة و أختار إيكو جسد اليوميات كمحتوى أساسي لهذه الطريقة فيكون السرد بطل و شخصية أيضا لها نفس مكانة الأحداث و اليوميات يتصاعد و ينخفض ضمن سياق الحكاية كما تتصاعد الحكاية ذاتها , أجاد ايكو إذن أن يجعل من السرد لعبة بوليسية تتماهى مع الموضوع ذاته معتمدا بشكل كبير على ذكاء القارئ في لم الخيوط التي يلهو بها إيكو لنفهم في الأخير من كان يتحدث فعلا و هل هناك فعلا راو واحد أم تعدد الرواة والمثير في الموضوع أن هذه الاسئلة ترتبط بشدة بموضوع الرواية و طبيعة البطل الأساسي لأننا سنتسائل في الأخير هل كل ما ذكر حدث فعلا أم أن الأمر لا يعدو أن يكون وثيقة مزوة أخرى. 
بالعودة للموضوع تزداد حيرتنا أكثر لدرجة أعجز معها على تحديد أفكاري أو صياغتها بشكل منظم كتابة,فالموضوع ليس جديدا و تم تناوله كتابة من طرف العديد من الكتاب أدبا و مقالة و إيكو هنا وضع فقط وجهة نظره حول الموضوع مما يجعل عمله هذا أقرب لفن المقالة التاريخية منه الى الرواية يتعلق الأمر ببروتوكولات حكماء صهيون , عمد الغرب الى انكارها جملة و تفصيلا منذ ظهورها كما لجا آخرون الى تأكيدها ووضع افتراضات مؤكدة لكيفية صياغتها و ترجمتها في حين يبدو العرب وحدهم موقنون انها صحيحة,يؤكد إيكو في نهاية الرواية أن كل شخصيات روايته حقيقية و أن ما قامت به من أفعال فهي حقيقية في حين يؤكد أن شخصية سيمونيني شخصية متخيلة لكن مثلها وجد و ما زال حيا بيننا اليوم يتركنا إيكو في حيرة من أمرنا على حافة التصديق المشوب بالشك فكيف نصدق البطل و هو شخص متخيل بمعنى آخر كيف يقوم تاريخ فعلي على تاريخ متخيل و ما هو الحد الفاصل بين العالمين و تزداد حيرتنا حين نعلم أن الشخصية المحورية الحكائية محترفة تزوير و تحريف فما الذي يهدف إليه إيكو في النهاية أن نصدق أو أن ننفي ما حدث عبر لعبة تدوير الحقائق التي لا تتوقف.. 
تتحدث الرواية عن رجل يبدو فاقدا لنصف ذاكرته فيقرر كتابة مذكراته عله يفهم بعض الأحداث الغريبة التي يمر بها نتعرف على الكابيتان سيمونيني ذو الأصول الإيطالية ونكتشف بعد ذلك أن هناك شخص ثان يتطفل على كتابة اليوميات و هو القس دالا بيكولا فتغدو الكتابة محاولة للتذكر و الاكتشاف , من ايطاليا الغاريبالدية الى روسيا القيصرية مرورا بفرنسا النابلونية و الجمهورية و فرنسا الماسونية يحكي سيمونيني مسار حياته الخصب بالأحداث و الشخصيات السياسية و الكهنوتية و الطبية و الموسيقية و الأدبية مسار مليء بالكره تجاه اليهود و تجاه النساء و تجاه كل الجنسيات تجاه الآخر بشكل عام باستثناء الأكل الذي يمثل للشخصية المتعة البشرية الوحيدة الممكنة,تبدو الشخصية في هذا الكتاب خلاف المتعارف عليه شخصية سلبية جدا منعدمة الأخلاق و الضمير و لا يقف في وجهها شيء سوى المصلحة الذاتية و لا تبدو منتمية لشيء سوى لرسالة تركها له الجد . 
لا نستطيع أن نصف إيكو بمعاداة السامية و لا نستطيع في ذات الوقت أن نؤكد هذه المعاداة فالطريقة التي كتب بها العمل توحي بالأمرين معا 
,كره سيمونيني اليهود كرها بالغا و تعجب من عدم قدرة الناس على فهم هذا الجنس المتكيف مع كل الكوارث البشرية و التاريخية و كيف يعقل أنهم لم يدركوا  بعد أن الأمر يتعلق بمؤامرة كونية تاريخية ضد كل البشر باستثناء اليهود سيمونيني يعتبر نفسه بطلا كونيا على اعتبار أنه سيحرر العالم من الغموض الذي يكتنف هذه المؤامرة التي يكفيه فقط أن يختلقها ليشعل فتيل الفضول و التقصي آملا أن يقضي بعدها على هذا الجنس المكروه و الصامد رغم هذا الكره الفطري نحوهم. 
يبقى المرتكز الاساسي للرواية هو النتيجة الختامية العمل المكلل لمسار سيمونيني تنفيذ وصية جده بالشكل الأسمى و نشر بروتوكولات حكماء صهيون,مع ترتيب للأحداث لا يختلف عما هو متعارف عنه تاريخيا حول البروتوكولات فعلاقة هذا الأخيرة بروسيا ثابتة اكتفى إيكو بأعادة صياغة الأحداث بشكل أدق مع تضمينه لبعض الخيال المكمل للصياغة الأدبية , فحسب ايكو فالفكرة بدأت مع رسالة جد سيمونيني و الذي يؤكد الكاتب أنه شخصية حقيقية و يربطها أيضا برواية اليهودي المتنقل لأوجين سو التي نشرت على حلقات بين 1844و 1845 و وبالتعاون مع عمل موريس جولي الحوار المتخيل الجحيم بين ميكافيللي و مونتسكيو و بعدها كتاب البروسي غودش و هي الرواية التي حسب إيكو مبنية على تخيلات سيمونيني ذاته و تلك التخيلات المرتبطة بمقبرة براغ و الأجتماع السري لإثنيعشر حاخام يهودي,مقبرة براغ إذن تحكي بالتفصيل و بشكل بوليسي لا يخلو من دراما جيمس بوند و أوجين سو و بعض تأثير دان براون كيف خلقت "الكذبة" من انخراط سيمونيني بثورة غاربالدي الى قضية درايفوس,إيكو كان متحكما بشكل جيد بالمادة التاريخية التي يظهر من خلال التدقيق أنه تعب في الحصول عليها و منحها لنا بشكل متسلسل جيد لكن الأمر يدفعنا للتساؤل ما المجدي في إعادة خلق كذبة على اعتبار سمونيني مزور ما المجدي من تكرار نفي هذه البروتوكولات بهذه الطريقة و قد سبق للعديد من الكتابات ان فعلت تفس الشيء؟هل كان إيكو فعلا قاصدا أن ينفيها أم قاصدا أن يجعلنا نفكر أن نفي البروتوكولات هو من ناحية أخرى نفي أيضا للاعمال التي نفتها بمعنى أن التاريخ يمكن أن يكون كذبة فكل الأعمال التي تحققه هي بدورها من الممكن أن تكون كذبات متقنة فلاشيء في النهاية ثابت مع صيرورة زمنية تجبرنا أن نتغيب عنها قصرا أو اختيارا. 

إضافات :
 مقبرة براغ :


توجد المقبرة بالحي اليهودي الجيتو جوزيفوف ببراغ بالتشيك كانت بالخدمة ما بين ١٤٧٨ و و يق١٧٨٦ يقدر عدد القبور المتواجد بها حوالي ١٢ ألف قبر.
أوجين سو :


ولد سنة 1804  و توفي سنة 1857 كاتب فرنسي اشتهر بروايتين نشرهما على شكل مسلسل اسرار باريس و اليهودي المتنقل كان جمهوريا و فضل المنفى حين انقلب لويس نابليون بونبارت سنة 1851 .

موريس جولي:
محام و كاتب فرنسي ولد سنة 1829 و توفي يقال منتحرا سنة 1878  سجن بعد نشره لحوار الجحيم بين ميكيافيللي و مونتيسكو و يعتقد أن بروتوكولات حكماء صهيون مقتبسة من هذا الحوار مع أنه لا ذكر فيه لليهود.

هرمان غودش :

كاتب بروسي ولد سنة 1815 وتوفي سنة 1878  ألف رواية بياتريس و خص إحدى فصولها للمؤامرة اليهودية التي تمت بمقبرة براغ نشر هذا الفصل مستقلا بروسيا سنة 1872 .

بيتور رشوفسكي:


 ولد سنة 1853 و توفي 1910 رئيس أوكرانا أي الشرطة السياسية للإمبراطورية الروسية التي نشطت أواخر القرن ١٩ و بداية القرن ٢٠ بباريس.

للاتصال بنا

la.tangeroise1@gmail.com
تجدونني ايضا
@mayziyada على التويتر

صالون الجمعة

صالون الجمعة 348 members
الجمعة الأولى من كل شهر .. نجتمع الكترونياً لمناقشة كتاب

Books we've read



About Me

Ma photo
ايمــــان
نقرأ لأنا نعشق أكثر من حياة
Afficher mon profil complet

Followers

عدد الزيارات

Ma liste de blogs

Pages

Pages

الأكثر قراءة