فاسيلي غروسمان , مصير كتاب








سئل غروسمان يوما عن العنوان الذي يحلم أن يخصه لأهم كتبه فكانت الإجابة أنه يرغب في عنوان يليق بالأدب الروسي, عنوان مكون من كلمتين كدأب الكتاب الروس الكبار كالجريمة والعقاب لدستويفسكي أو الحرب والسلام لتولستوي, فكان له ذلك وأصبح كتابه "حياة ومصير" كتابا يذكر كلما ذكرت روايات من الأدب الروسي أو الأدب السوفياتي تحديدا, فما هي قصة هذا الكتاب الذي كان مصيره يليق بمصير بطل ثائر, كتاب يتحدث عنه كاتبه كطفل أنجبه و أضاعه كحتمية داخل نظام شمولي.
بدأ غروسمان كتابة فصول روايته الضخمة التي ستتجاوز 800 صفحة من الحجم المتوسط سنة 1948 أي قبل أن يتمم ما يعتبر جزءها الأول رواية "في سبيل قضية عادلة" التي نشرت زمن ستالين وعرفت حظا أوفر من قرينتها, غروسمان كان واعيا بما تتضمنه روايته حياة ومصير من نقد جلي لستالين لهذا لم يعرضها للنشر إلا بعد وفاته, لكن عملت رئاسة تحرير زناميا , المجلة التي اختارها للنشر, على التبليغ عنها لتقوم ال" كي جي بي "بالحجز على الرواية وكل ما يتعلق بها بل منعت غروسمان وأهله من الحديث عن الموضوع, صبر غروسمان إلى غاية المؤتمر الذي سينتقد فيه خروتشوف صراحة النظام الستاليني فقام غروسمان بكتابة رسالة من نسختين يطالب فيها بالإفراج عن روايته, لم يتلقى الرد فورا بل وصلته مكالمة بعد شهرين تطلب منه موعدا مع سوسلوف المسؤول الإيديولوجي للحزب, تم اللقاء الذي استمر لثلاث ساعات, كان لقاءا غريبا مدح فيه سوسلوف من جهة أعمال غروسمان لكنه أخبره بشكل قاطع رفض الحزب أن تنشر الرواية التي اعتبرها مضرة للشعب السوفياتي بل أكثر ضررا من القنابل النووية التي يُهدد بها الشعب السوفياتي, لكن الأكثر إثارة هو أن سوسولوف لم يقرأ العمل بل عهد  بذلك لاثنين من مستشاريه. بعد اللقاء قام غروسمان بتدوين ما حدث فيه في مذكرة من مئة صفحة توجد كنسخة يتيمة بالأرشيف الروسي للفن والأدب.
بعد حين رحل غروسمان متأثرا بمرض السرطان دون أن يشهد سفرة كتابه الأخيرة, حيث أنقذت نسختين من العمل إحداهما وصلت للغرب ونشر العمل أخيرا سنة 1980 ليعود الى روسيا مجددا و ينشر سنة 1988.
وهذه ترجمة لنص الرسالة الموجهة لخروتشوف, مقتطع منها فقرات لم أصل إليها.
وهي ترجمة قابلة للإنتقاد في انتظار أن يقوم مترجم مختص بترجمة النص الكامل.


إلى السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي
نيكيتا سيرغيفيش خروتشوف

العزيز نيكيتا سيرغيفيش

وضعت مخطوطة كتابي "حياة ومصير" لدى رئاسة تحرير مجلة "زناميا"، كان ذلك ب أكتوبر 1960.
.......
ضمنت كتابي ما أؤمن وما زلت بأنه الحقيقة، فهو مرآة لأفكاري ومشاعري ومعاناتي.
كتابي ليس كتابا سياسيا, حاولت بما أملك من وسائل أن أتحدث فيه عن البشر, آلامهم, أخطائهم وموتهم, كتبت عن الحب والتعاطف اتجاههم.
يضم كتابي صفحات ملئها الألم, المرارة والقسوة ,صفحات مرتبطة بماضينا القريب, فمن المحتمل أن قراءة مثل هذه الصفحات ليس أمرا هينا لكن صدقني كتابتها لم تكن كذلك أيضا غير أنني لم أستطع إلا كتابتها.
بدأت في كتابة العمل قبل المؤتمر العشرين للحزب وستالين مايزال حيا, في وقت لم يكن هناك بارقة أمل ممكنة لنشره لكني مع ذلك شرعت في كتابته.
تقريركم في المؤتمر العشرين منحني الثقة. ففي الواقع, أفكار كاتب ما, مشاعره وآلامه, ليست سوى جزء من أفكار ومعاناة وحقيقة الجميع.
افترضت و أنا أرسل مخطوطتي للمجلة أنها ستثير نقاشات بين الكاتب والمحرر, أن هذا الأخير سيطالب بمحو بعض الفقرات, وربما محو بعض الفصول.
كوجفنيكوف, رئيس تحرير مجلة زناميا, قادة اتحاد الكتاب ماركوف, سارتاكوف وشتشتباتشيف الذين قرأوا العمل, أخبروني أنه سيكون من المستحيل ومن المضر نشره, لكن, ومع قولهم هذا, فهم لم يتهموا كتابي بأنه محشو بالأكاذيب. أحد الرفاق أخبرني قائلا: "كل ما ذكرته حدث بالفعل أو كان بالإمكان أن يحدث, أناس كالذين تحدثت عنهم وجدوا بالفعل أو كان بالإمكان أن يوجدوا". قال آخر : "بالرغم من ذلك لا يمكن نشر هذا الكتاب إلا بعد مائتي وخمسين سنة".
تقريركم بالمؤتمر الثاني والعشرين أشار بقوة لافتة إلى كل المعاناة والأخطاء التي وقع فيها بلدنا زمن ستالين, تقريركم عزز إيماني بأن كتابي "حياة ومصير" لم يتعارض مع الحقيقة التي أعلنتموها  فالحقيقة هي رهن اليوم ولا يجب تأجيلها لمئتي وخمسين سنة.
لا أستطيع تحمل فكرة أن روايتي أخذت وصودرت مني عنوة, هذا الكتاب غال علي كما هم الأطفال الأوفياء بالنسبة لآبائهم, فأن يؤخذ الكتاب مني فالأمر أشبه بأن يؤخذ طفل من والده.
مرت سنة منذ صودر كتابي, سنة لم أتوقف فيها عن التفكير في مصيره المأساوي وما زلت أبحث عن تفسير لما حدث, هل يمكن أن يكون السبب أن كتابي ليس موضوعيا.
لكن, والحالة هذه, كل الكتب, بخلاف تلك المكتوبة من طرف صانع, تحمل علامة ذاتية وغير موضوعية, فمتى كتب كاتب ما عملا فهو ليس تصويرا مباشرا لرؤى قادة الحزب أو للحركة الثورية فأي كتاب يمكن أن تتقاطع أفكاره مع هذه الرؤى وتنصهر معها كما يمكن أن تعارضها حول بعض النقط.
.........
أعلم ان كتابي ليس مثاليا ولا يمكن بأي حال مقارنته مع أعمال الكتاب الروس السابقين العظام, لكن  وفي حالتي هذه فالأمرلا يعود لضعف يمس موهبتي بل إلى الحق في التعبير عن الحقيقة, حق نضج عبر الآلام وحياة طويلة.
لماذا إذن كتابي, فقد يكون قد استجاب بشكل ما لمطلب دفين لدى السوفيات, كتابي الذي لا يضم كذبا ولا افتراءا بل الحقيقة, الألم وحبا لكل البشر, لماذا عليه أن يكون إذن محلا للمنع, لماذا يُسحب مني عبر تقييدات إدارية, لماذا يُخفى عني وعن الناس  كمجرم قاتل.
مرت سنة وأنا أجهل مصير كتابي فهل هو سليم ومحفوظ أم أتلف وأُحرق؟
........

أيها العزيز نيكيتا سيرغيفيش ، يقال ويُكتب الآن أننا في صدد العودة إلى النموذج اللينيني للديمقراطية. في الفترة القاسية زمن الحرب الأهلية, الاحتلال, تدمير الاقتصاد والمجاعة, وضع لينين قواعد للديمقراطية تلك التي بشكل عجيب أزيلت في العهد الستاليني.
إدانتكم, في المؤتمر الثاني والعشرين للحزب, للفظاعات المقترفة في عهد ستالين كانت قاطعة, قمتم بذلك على نحو شجاع وقوي يجعلنا نعتقد أن قواعد الديمقراطية ستتعاظم باستمرار كما عهدناها زمن تدمير الاقتصاد تحت وطأة الحرب الأهلية وزمن وضع قواعد إنتاج الفولاذ والفحم والكهرباء. فجوهر أي مجتمع بشري جديد يكمن في نمو الحرية والديمقراطية أكثر منه في نمو الإنتاج والاستهلاك, فلا يمكن تصور أي مجتمع جديد لا تكون فيه للحرية  والديمقراطية أولوية.
كيف يعقل إذن أننا نلجأ الآن إلى تفتيش بيت كاتب, أن نحرمه من كتابه, كتاب قد يحمل نواقصا لكنه كُتب بدم قلبه, كُتب باسم الحرية وحب البشر, كيف يعقل أن نهدده بالسجن إن هو تحدث عن معاناته مع الآخرين.
أنا على يقين أن أكثر من حجز كتابي صرامة وعنادا عليهم أن يعيدوا النظر في موقفهم اتجاهه, عليهم أن يعترفوا أن جملة الاتهامات الرئيسية تلك التي وجهت للمخطوطة منذ سنة ونصف مضت, قبل المؤتمر الثاني والعشرين, خاطئة تماما.
أطالبكم بالإفراج عن مخطوطتي, أطالب بأن يكون من يناقشني حوله محررون و ليسوا عملاء لل"كي جي بي"
لا أرى معنى ولا عدالة لحالتي الراهنة , أن يبقى جسدي حرا في حين الكتاب  الذي وهبته حياتي سجينا , فهذا الكتاب ولكوني أنا من كتبه لا ولن أتخلى عنه, مرت الآن اثني عشر سنة مذ شرعت في كتابته, سأستمر في إيماني بحقيقة ما أكتب و بأني كتبته محبة في البشر, إشفاقا عليهم وثقة بهم. لهذا أطالب بالإفراج عن كتابي.

مع فائق احترامي

فاسيلي غروسمان




وفي انتظار الترجمة العربية , لنا عودة للحديث عن الرواية.

Commentaires

Enregistrer un commentaire